Hero image

الخلود الاصطناعي

مارس – أبريل | 2026

أبريل 15, 2026

من أغرب الأفكار شيوعًا في الخيال العلمي فكرة رقمنة العقل البشري وتحميله إلى آلة، طمعًا في الخلود وتوسيع القدرات الذهنية. وقد جعلت تقنيات المسح والحوسبة الحديثة هذه الفكرة قريبة من التحقيق نظريًّا، غير أن طريقها لا يزال محفوفًا بمحاذير علمية وأسئلة فلسفية وأخلاقية ينبغي التوقف عندها أولًا.
 

وفقًا لفيديو تعليمي نشرته منصة "تيد إد" في أكتوبر 2019م، يبدو أن مسح الدماغ بدقة كافية لرسم خريطة كاملة لكل خلية عصبية وكل وصلة بينها، أمرٌ يستحيل تحقيقه من دون جراحة. فجهاز التصوير بالرنين المغناطيسي لا تتجاوز دقته مليمترًا واحدًا، في حين تتطلب عملية تحديد كل خلية عصبية من أصل نحو 86 مليار خلية، وتريليونات الوصلات فيما بينها، دقةً أعلى بألف مرة على الأقل. ومن حيث المبدأ، يمكن بلوغ هذه الدقة باستخدام المجهر الإلكتروني. غير أن هذا النوع من المجاهر يتطلب وصولًا مباشرًا إلى النسيج العصبي. ومع ذلك، لا يتيح هذا الوصول سوى فحص سطح العيّنة، مما يعني أن الدماغ يجب أن يُستأصل ويُقطّع إلى شرائح فائقة الرقة تُمسح لاحقًا واحدة تلو الأخرى.
ويزداد الأمر تعقيدًا بسبب الطبيعة الحسّاسة للدماغ؛ إذ يبدأ النسيج العصبي في التدهور خلال دقائق من انقطاع إمداده بالدم. كما أن تقطيع الدماغ، حتى لو أُنجزت الشرائح بسماكة أدق من حجم الخلية العصبية نفسها، سيؤدي حتمًا إلى قطع عدد كبير من الوصلات العصبية، وهي الوصلات التي يُفترض أن تُشكّل جوهر "العقل" المراد رقمنته. فالعقل لا يعتمد على الخلايا منفردة، بل على شبكة علاقاتها الدقيقة، وهي شبكة قد تتشوّه أو تفقد أجزاءً منها بمجرد التدخل الفيزيائي المباشر.

 

 

الطبيعة الحسّاسة لخلايا الدماغ والوصلات ما بينها تعيق رقمنة الدماغ بالتقنيات الحالية، ويبقى الأمر فكرة تنتظر قفزة تقنية، وغير مضمونة النتائج وفق فهمنا الحالي.

انتظار تقنيات غير الحالية

إن استعراض هذه العقبات انطلاقًا من حدود المعرفة الحالية قد يكون مضلِّلًا في حدّ ذاته. فالتاريخ العلمي يبيّن أن أكثر التقنيات تأثيرًا في حياة البشر لم تكُن نتاج تحسينات تدريجية متوقعة، بل ثمرة قفزات معرفية لا يمكن استشرافها قبل زمانها، كما أثبت ذلك الفيلسوف توماس كون في كتابه الشهير "بنية الثورات العلمية"، الصادر عام 1962م. فمنذ بضعة قرون فقط، لم يكُن أحد ليتخيّل أن الصوت والصورة يمكن أن يُنقلا عبر الفراغ، أو أن يتحدث شخصان وجهًا لوجه من طرفي الأرض عبر جهاز صغير يُحمل في الجيب. ومع ذلك، أصبحت هذه المعجزات اليومية جزءًا بديهيًّا من تفاصيل عصرنا الحديث.

وبالقياس نفسه، قد لا يكون الطريق إلى رقمنة العقل هو تحسين أدوات المسح الحالية أو دفعها إلى أقصى حدودها، بل اكتشاف مبادئ جديدة كليًّا لتوصيف الدماغ والتعامل معه. فقد تكشف أبحاث المستقبل عن طرق غير جراحية لقراءة النشاط العصبي، أو عن مستويات تنظيم لم تُدرَك بعد، تجعل ما يبدو اليوم مستحيلًا مجرد مرحلة عابرة في تاريخ طويل من الابتكار. وما نعدّه الآن عائقًا بنيويًّا قد يتبدّى لاحقًا قيدًا مفاهيميًّا فرضته أدواتنا وأسئلتنا، لا طبيعة العقل نفسه.
 
خلود رقمي مشروط بتدمير الدماغ!

بدلًا من ذلك، يتخيّل بعض الباحثين اليوم طريقة مختلفة تمامًا تستخدم التكنولوجيا المتوفرة حاليًّا: جهاز يبدأ عمله من أعلى الدماغ، يسلّط شعاع ليزر بالغ الدقة على خلية عصبية واحدة، فيمسحها بكل ما تحمله من وصلات وذكريات، ثم يدمّرها في اللحظة نفسها، كاشفًا الطبقة التالية. ومع كل نبضة، تُقرأ طبقة كاملة من الوعي ثم تختفي، بينما يواصل الجهاز تقدّمه ببطء نحو عمق الدماغ. وخلال هذه العملية، لا بدَّ من إبقاء الجسد حيًّا؛ القلب ينبض، والدم يتدفّق، فيما يُستنزف العقل تدريجيًّا في صورة بيانات. وهكذا لا يكون الموت لحظة واحدة، بل عملية طويلة ومحسوبة، ويغدو الخلود الرقمي مشروطًا بتدمير الدماغ نفسه.

المفارقة أن ثمن الخلود، في هذه الحالة، قد يكون الموت، وفقًا لمجلة (Conversation) في 23 مايو 2025م. والأسوأ أن عملية المسح، مهما بلغت دقتها، قد تُتلف بعض الخلايا أو الوصلات قبل تسجيلها، وهو ما يجعل النسخة الناتجة غير مكتملة. وإذا طُبّقت هذه التقنية يومًا ما، فمن المرجّح أن تكون النسخ الأولى مشوّهة أو ناقصة، وأن تتحسن جودتها تدريجيًّا مع تطور الأدوات. وقد يصبح من المعتاد لاحقًا تعويض الأجزاء المفقودة ببيانات مأخوذة من أدمغة أخرى أو من نماذج اصطناعية، مما يجعل كل عقل محمول هجينًا، لا نسخة مطابقة تمامًا للأصل.
 
وتبقى سلامة النتائج غير مضمونة

حتى لو أمكن رسم خريطة كاملة للدماغ البشري، فإن ذلك لا يعني بالضرورة إمكانية تشغيلها. فخريطة الوصلات العصبية ليست سوى بنية ساكنة، في حين أن الدماغ الحي كيان متغيّر باستمرار، تنشأ فيه الوصلات وتزول بلا توقف. ولا يزال العلماء يجهلون الكثير عن الكيفية الدقيقة التي يحدث بها هذا التغيّر، مما يجعل تنفيذ العقل المرقمن تحديًا لا يقل تعقيدًا عن مسحه.
ومع تعمّق فهمنا للدماغ، قد يتبيّن أن العقل لا يعمل على أي حاسوب تقليدي. فبعض الفرضيات تشير إلى أن الوعي قد يعتمد على ظواهر فيزيائية دقيقة داخل الخلايا العصبية نفسها، ما قد يتطلب بيئة حوسبية مختلفة جذريًّا، وربما حواسيب لا تشبه ما نعرفه اليوم. وحتى في هذه الحالة، يظل السؤال مطروحًا: هل يمكن للعقل أن يوجد مستقلًا عن الجسد؟

لم يتطوّر العقل البشري في فراغ، بل في تفاعل دائم مع الحواس والجسد. والحرمان الحسي شكل معروف من أشكال التعذيب، وهو ما يعني أن عقلًا محمولًا بلا مدخلات حسية قد لا يصمد طويلًا. ولتفادي ذلك، قد يحتاج هذا العقل إلى جسدٍ مُحاكٍ، أو إلى عالم افتراضي يمنحه إحساسًا بالحركة والصوت واللمس، حتى لا ينغلق على ذاته وفقًا للمصدر المذكور آنفًا. 

وهنا تبرز أسئلة أخرى: هل يحتاج العقل المحمول إلى النوم؟ النوم، الذي لا يزال لغزًا علميًّا، لا يقتصر على راحة الجسد، بل يؤدي دورًا في تنظيم الذاكرة وإعادة ترتيب الخبرات. فهل يدخل العقل الرقمي في حالة "سكون" دورية، أم تُجرى هذه العمليات في الخلفية، كما يحدث في تحديثات البرمجيات؟ وهل يمكن لعقل محمول أن "يمرض"، لا بالإنفلونزا، بل بفيروس رقمي، أو باضطراب ذهني جديد لم يعرفه البشر من قبل؟
إن ظهور عقول محمولة سيفتح صندوقًا من الأسئلة الفلسفية والقانونية غير المسبوقة. هل يُعدُّ العقل المحمول الشخصَ نفسه، أم كيانًا جديدًا مستقلًّا؟ وهل يتمتع بحقوق قانونية؟ وكيف يمكن للبشر أن ينافسوا كائنات قادرة على التفكير بسرعات تفوقهم بمئات المرات؟ وربما يكون السؤال الأعمق هو: إذا استمر العقل بعد فناء الجسد، فهل يكون ذلك استمرارًا للحياة، أم شكلًا جديدًا من الوجود لا نملك له اسمًا بعد؟
 

 

رمان صليبا: فيزيائي ومترجم لبناني.