
تصوير: عزام المناعي.
يظهر القرش الحوت في الماء بطريقة تختلف عمّا يوحي به اسمه؛ لا يندفع، ولا يشقّ الماء بعنف، ولا يفرض حضوره فجأة. غالبًا ما يبدأ اللقاء بإحساسٍ خافت: تغيّرٌ بسيط في حركة الماء، أو ظلٌّ عريض يمرّ عند أطراف الرؤية، أو بطء غير مألوف في التيار. في تلك اللحظة، لا يكون المشهد مكتملًا بعد، بل في طور التشكّل. وهنا، كما يصفه المصوّر القَطري المختص في تصوير الحياة الفطرية، عزّام المناعي، يتقدّم الإصغاء على اقتناص الصور، وتصبح المراقبة شرطًا أوليًّا لأي اقتراب.

وحين يظهر القرش الحوت في الماء، لا يبدو كأنه تجسيد لحقائق علمية، بل كائنٌ يعزف لحن قدومه وفق إيقاع مختلف. وما يفرض نفسه أولًا هو الحركة البطيئة، واتساع الجسد، وغياب أي سلوك مفاجئ. هنا، يتراجع التفسير العلمي خطوةً إلى الخلف، ويترك للصورة أن تتملك روحها الساحرة بينما تكمل تشكلها.

يُعدُّ القرش الحوت في الخليج العربي زائرًا موسميًّا، وكأنه تجسيد لقول العرب: "زُرْ غِبًّا تزدد حُبًّا". وتشير "ناشيونال جيوغرافيك" إلى أن قدومه من المحيط الهندي إلى الخليج يرتبط بمسارات تنقّل طويلة عبر البحار الدافئة، وهو ما يجعل الخليج العربي محطةً ضمن رحلة أوسع للبحث عن الغذاء.
ويلاحَظ أن وجوده في منطقة الخليج العربي خلال فصلي الربيع والصيف يتزامن غالبًا مع فترات تزايد بعض أنواع العوالق والكائنات الدقيقة في الطبقات السطحية من المياه، وهي عناصر تشكّل جزءًا من غذائه القائم على الترشيح. ولا يعني هذا الارتباط اعتمادًا حصريًّا على بيئة بعينها، بل يعكس استجابةً ظرفية لوفرة موسمية. ولهذا، فإن ظهوره في الخليج العربي يبقى متقطّعًا، وقد يختلف من عامٍ إلى آخر، مما يمنح التوثيق البصري قيمةً مضاعفة.
ومن السمات اللافتة في هذا الكائن تلك البقع البيضاء المنتشرة على جلده الداكن. وهي، مع كونها عنصرًا جماليًا، تُعدُّ علميًّا بصمةً فرديةً تميّز كل قرش حوت عن الآخر، ويعتمد عليها الباحثون في مطابقة الأفراد وتتبع ظهورهم في مناطق مختلفة. وإلى جانب ذلك، يرافق القرش الحوت في كثير من الأحيان عددٌ من الأسماك الصغيرة، مثل أسماك الريمورا، التي تلتصق بجسمه وتستفيد من حركته وبقايا غذائه، في تجسيد حي لتبادل المنافع بين الكائنات الحية.
“
التصوير ليس سباقًا على اللقطات النادرة، والغوص في حدّ ذاته مساحة للإنصات، والبحر قد لا يمنح كل شيء دفعة واحدة، ومع ذلك تبقى للرحلة قيمتها الوجدانية.

إن هذه التفاصيل العلمية، على أهميتها، لا تكوّن محور الوعي لحظة غوص المصوّر في انتظار القرش الحوت. ما يحكم العمل، وفقًا للمناعي، هو العلاقة الحميمة التي تأتي من التواصل البصري وملاحظة الحركة. فالقرش الحوت يتحدّث بلغته الخاصة؛ إذ يرسل إشارات واضحة لمن يراقبه، كاتجاه السباحة وميل الجسد وانتظام حركة الذيل أو تسارعها. هذه العلامات، التي يصفها المناعي بلغة الجسد، هي ما يحدّد سلوك المصوّر. فإذا كانت الحركة هادئة ومتزنة، فذلك يدل على راحة الكائن. وإذا غيّر اتجاهه فجأة، فالأفضل ترك المساحة له. هنا، يكون التراجع تواضعًا في حضرة هذا الكائن المهيب واحترامًا لسكينته، حتى لو فاتت الصورة. فالأولوية بالنسبة إلى المناعي هي بناء علاقة ودية مع القرش الحوت، والصورة الجيدة لا تُنتزع بالقوة، بل تُمنح حين تُقرأ الإشارات بشكل صحيح.
لا يعامل المناعي التصوير بوصفه سباقًا على اللقطات النادرة، فتجربته أقرب إلى كونها ممارسة تأملية. الغوص في حدّ ذاته مساحة للإنصات، والبحر لا يمنح كل شيء دفعة واحدة. وقد تنقضي الرحلة من دون أن يظهر القرش الحوت، ومع ذلك لا تُعدُّ الرحلة بلا قيمة، فهي تبقى محتفظة بقيمتها الوجدانية.

في هذا السياق، تصبح الصورة نتيجة طبيعية لتجربة أعمق؛ إذ تشكّل مراقبة الحركة، والانتباه لتغيّر الماء، وقراءة لغة الجسد، جوهر الممارسة التي تنضج مع تراكم الخبرة. ومع الوقت، يتعلّم المصوّر أن يخفّف حضوره، وأن "يدوزن" حركته ليتماهى مع طبيعة القرش الحوت، فيغدو جزءًا من المشهد لا عنصرًا دخيلًا عليه. ولهذا، تأتي صور المناعي أقرب إلى الهدوء والسكينة الحيّة منها إلى البهرجة والاستعراض الضوئي؛ صورٌ تسمح للمتلقي أن يتشرّب اللحظة، وتترك لخياله إعادة تشكيل ما وراء الإطار.
لا تزال جوانب كثيرة من حياة القرش الحوت غير معروفة؛ من مسارات هجرته الدقيقة إلى أماكن تكاثره. هذا الغموض حيال هذا الكائن اللطيف المهدَّد بالانقراض لا ينتقص من قيمته، فهو يذكّر بأن المعرفة العلمية، مهما تقدّمت، تبقى منفتحة على الأسئلة. وفي هذا الحيّز بين ما نعرفه وما نجهله، تجد الصورة مكانها: لا لتقدّم إجابة نهائية، بل لتفتح أبواب الحوار وتوسّع دائرة الفهم.
هكذا، لا تكون الحكاية عن كائن بحري فحسب، ولا عن مصوّر تحت الماء، بل هي حكايةٌ عن علاقة أوسع مع الطبيعة؛ علاقة ترتكز على الملاحظة قبل الحكم، وعلى التماهي مع الطبيعة مدخلًا لتشكيل الصورة. وفي زمن تتسارع فيه الإيقاعات، يذكّرنا القرش الحوت بمروره العابر بأن بعض المعاني لا تُدرك إلا حين نبطئ، ونترك للمشهد أن يكتمل على مهل.
عزام المناعي.. من هندسة الطاقة إلى تصوير الطبيعة
عزام المناعي هو مصوّر قطري للحياة البرية؛ ترك عمله مهندسًا في صناعة الطاقة ليتفرغ لتصوير الطبيعة، مدفوعًا بشغفٍ قاده إلى تعلّم التصوير ذاتيًّا وخوض تجارب ميدانية كثيفة. عُرضت أعماله في العديد من المنصات والمعارض العالمية، مثل: منظمة اليونسكو، ومحطات سي إن إن، وناشيونال جيوغرافيك، وقناة ديسكفري، وصحيفة نيويورك تايمز، ومنصة نتفليكس. يركّز في أعماله على تواؤم العناصر التركيبية الخفيّة داخل الصورة، ساعيًا إلى تقديم منظور جديد للموضوعات المألوفة، ليفتح نوافذ جديدة للتأمل فيما يحيط بنا.
محمد الصالح: شاعر وكاتب سعودي.
عزام المناعي: مصور فوتوغرافي قطري.






